تقترب الحكومة المصرية من إبرام صفقة استثمارية جديدة مع مستثمر إماراتي لتطوير قطعة أرض في منطقة الجفيرة بالساحل الشمالي الغربي، في صفقة تعيد إلى الواجهة الجدل بشأن توسع الاستثمارات الخليجية في الأصول العقارية والاستراتيجية المصرية، خصوصاً مع اعتماد الحكومة على الأراضي والأصول في معالجة جانب من التزاماتها المالية.

وبحسب تقرير نشرته «عربي21» نقلاً عن بيانات ومعلومات من بينها ما أوردته «الشرق بلومبرغ»، فإن الصفقة المرتقبة تتعلق بأرض تبلغ مساحتها نحو 642 فداناً في منطقة الجفيرة، وتقدر قيمتها بنحو 135 مليار جنيه (2.7 مليار دولار)، على أن يتم تطويرها بنظام المشاركة في العوائد، مع حصول مصر على نسبة تتراوح بين 20 و30% من الإيرادات المستقبلية، إلى جانب حصة عينية من الوحدات.

وتقع الأرض في نطاق مركز الضبعة بمحافظة مطروح، على الساحل الشمالي للبحر المتوسط، بين منطقتي الضبعة ورأس الحكمة، وتكتسب أهمية متزايدة مع التوسع في المشروعات السياحية والعمرانية التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

أرض خُصصت لتسوية مديونية

ووفق المعلومات التي أوردها التقرير، تعود خلفية الصفقة إلى قرار صدر عام 2023 بتخصيص الأرض لصالح بنك الاستثمار القومي الحكومي، بهدف استخدامها في تسوية مديونية مستحقة للبنك، قبل أن تُفوَّض هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لاختيار عرض استثماري لتطويرها.

وكانت «الشرق بلومبرغ» قد ذكرت أن البنك اتجه إلى تطوير الأرض بالشراكة مع مستثمر، وأن مستثمراً إماراتياً تم اختياره من بين عروض استثمارية، مع اقتراب استكمال إجراءات التعاقد.

وتأتي الصفقة المحتملة في منطقة شهدت خلال الأعوام الماضية تدفقاً كبيراً للاستثمارات الخليجية، وفي مقدمتها مشروع رأس الحكمة، إلى جانب مشروعات قطرية وإماراتية أخرى على امتداد الساحل الشمالي الغربي.

توسع الاستثمارات الخليجية

ويرى التقرير أن مشروع الجفيرة يأتي ضمن مسار أوسع لتزايد حضور الاستثمارات الخليجية في قطاعات وأصول مصرية، بما يشمل العقارات والسياحة والبنوك والطاقة والموانئ والصناعة.

وأثارت هذه التوجهات نقاشاً داخل مصر بشأن مدى اعتماد الحكومة على بيع أو تطوير الأصول العامة لتوفير السيولة وسداد الالتزامات، ومدى تأثير ذلك على ملكية وإدارة الأصول ذات الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية.

كما تزامنت الصفقة المرتقبة مع تأكيد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي اهتمام الدولة بتطوير الساحل الشمالي وتحويله إلى مركز سياحي وعمراني واستثماري على مدار العام.

انتقادات تتعلق بالشفافية

ونقل «عربي21» عن اقتصاديين ومحللين مصريين انتقادات لنموذج استخدام الأصول والأراضي الحكومية في معالجة المديونية، معتبرين أن المشكلة لا ترتبط بجنسية المستثمر بقدر ما تتعلق بشروط التعاقد، وقيمة الأصل، وحجم العائد الذي تحصل عليه الدولة.

وقال الخبير الاقتصادي أحمد ذكرالله، وفق التقرير، إن الاستثمار الأجنبي يمثل حاجة للاقتصاد المصري، لكن السؤال الأساسي يتعلق بـ "طبيعة الاستثمار وشروط إدارة الأصول ومدة حقوق التطوير والسيطرة التي تحتفظ بها الدولة.

وأضاف أن استخدام الأراضي العامة لتسوية الديون قد يوفر سيولة على المدى القصير، لكنه يحتاج إلى تقييم مستقل وشفافية في العقود حتى لا تتحول الأصول الاستراتيجية إلى وسيلة لمعالجة فجوات مالية مؤقتة على حساب العوائد المستقبلية.

المشاركة بدلاً من البيع المباشر

ويشير التقرير إلى أن نظام المشاركة في الإيرادات قد يكون، من الناحية النظرية، أفضل من البيع المباشر للأرض، لكنه يظل مرتبطاً بشروط العقد وآليات الرقابة والإدارة.

ويطرح ذلك تساؤلات حول الجهة التي تحدد أسعار الوحدات، وكيفية احتساب الإيرادات، ومن يتحمل تكاليف البنية التحتية، ومدى قدرة الدولة على التدخل في القرارات الاستراتيجية، إضافة إلى الضمانات المتاحة في حال تعثر المستثمر.

وبحسب رؤية الخبير التي نقلها التقرير، فإن المعيار الأساسي لنجاح الصفقة لا يتمثل في حجم الأموال التي تدخل الخزانة فقط، وإنما في مدى تناسب حصة الدولة مع القيمة الحقيقية للأرض والقيمة التي ستضيفها عملية التطوير.

مخاوف من تركز الأصول

ولا يقتصر الجدل، وفق «عربي21»، على صفقة الجفيرة وحدها، بل يمتد إلى تزايد الاستثمارات الخليجية في مناطق استراتيجية من الساحل الشمالي، وسط مخاوف لدى منتقدين من تركّز مساحات واسعة من النشاط العقاري والسياحي في أيدي عدد محدود من المستثمرين الأجانب.

ويؤكد التقرير أن الجدل الاقتصادي يدور أساساً حول كيفية تحقيق توازن بين حاجة مصر إلى الاستثمار الأجنبي وبين الحفاظ على دور المستثمر المحلي، وضمان أن تكون الاستثمارات الأجنبية مكملة للاقتصاد المحلي وليست بديلاً عنه.

وفي المحصلة، تضع صفقة الجفيرة ملف إدارة الأصول المصرية أمام سؤال أوسع: هل تمثل هذه الشراكات وسيلة لتطوير أصول الدولة وتعظيم عوائدها، أم أنها تتحول تدريجياً إلى أداة لسداد الالتزامات المالية قصيرة الأجل؟ وهو سؤال يرتبط، بحسب الخبراء الذين نقل عنهم التقرير، بشروط العقود وشفافيتها أكثر من ارتباطه بجنسية المستثمر.