عن الدماء البريئة في نيوزيلندا.. من المسؤول؟

الكـاتب : ياسر الزعاترة
عدد المشاهدات: 174
تاريخ الخبر: 20-03-2019

ياسر الزعاترة:عن الدماء البريئة في نيوزيلندا.. من المسؤول؟- مقالات العرب القطرية

فاجعة كبيرة تلك التي تابعها العالم في نيوزيلندا، وذهب ضحيتها خمسون شهيداً وعشرات الجرحى، ومن بينهم أطفال خلال صلاة الجمعة في مسجدين.

قبل أسابيع فقط، كان أحد الزعماء المسلمين يدعو من عاصمة غربية إلى ضرورة مراقبة المساجد، وبالطبع لأنها تنتج التطرف!!

ما بين الواقعتين، رابط بالغ الأهمية، فهنا والآن تعاني الجاليات المسلمة في الغرب من حالة يُتم عجيبة، ولنتذكر مثلاً أن كل الخطاب العنصري الذي تفوّه به ترمب مراراً وتكراراً بحق المسلمين، لم يُواجَه بأي ردة فعل معتبرة من قبل الأنظمة العربية والإسلامية، لكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد.

يحدث ذلك على رغم حقيقة أن أبناء الجاليات المسلمة في الغرب لا يعيشون لذاتهم وحسب، إذ يعتبر كثير منهم روافد لأقارب لهم في بلدانهم الأصلية، لكن ذلك لا يؤدي أيضاً إلى التعامل معهم بطريقة إيجابية من قبل أنظمتهم.

الحديث عن مواقف الأنظمة يبدو «نفخاً في قربة مثقوبة» كما يقول المثل، ما يعني أن علينا أن نتجه مباشرة إلى تلك الجاليات لنتحدث عنها، وعن ردة فعلها حيال المجزرة التي وقعت، والتي سبقتها بعض الحالات الأقل دموية خلال الأعوام الأخيرة.

ما ينبغي أن يُقال ابتداءً هو أن أحداً لا يمكن أن يتجاهل أن جزءاً من المواقف حيال الجاليات المسلمة في الغرب قد كان نتاجاً لبعض الأعمال الرعناء التي حُسبت على المسلمين خلال الأعوام الماضية، وربما خلال الألفية الجديدة، بجانب بعض الخطاب الذي رافقها، لكن ذلك ليس سوى جزء من المشهد، فحين لا ينتج ذلك الخطاب الذي تبنته بعض المجموعات التي زعمت تمثيل المسلمين، سوى بضعة أعمال محدودة هنا وهناك، فإن ذلك ينبغي أن يُذكّر العالم أجمع أنه خطاب هامشي لا يعبر عن جوهر موقف المسلمين؛ إن في الداخل أو في الخارج، بدليل أن ملايين السياح الغربيين قد جابوا البلاد العربية والإسلامية طوال الأعوام التي انتشر فيها ذلك الخطاب، لكنهم لم يصابوا بأذى، باستثناء حالات جد محدودة. والنتيجة أن من يريد تحميل مسؤولية ما جرى في نيوزيلندا للخطاب المتطرف لا يمكن أن يكون منصفاً بحال، ويجب البحث عن أسباب أخرى.

من أهم تلك الأسباب ذلك الخطاب اليميني العنصري الذي أصبح يتصاعد في الغرب، وهو خطاب عنصري قد يشمل غير المسلمين بهذا القدر أو ذاك، وترمب اليوم نموذج لذلك الخطاب العنصري الذي يرفع شعار «أميركا أولاً»، رغم أنها دولة عنوانها الهجرة والمهاجرين، وقامت على الإقصاء العنصري ضد سكان البلاد الأصليين.

لكن الأسوأ من الخطاب العنصري، هو ذلك المحمول على أيديولوجيا دينية، ويركز على المسلمين أكثر من غيرهم. ففي نيوزيلندا، لم يُستهدف عرق بعينه، بل دين محدد، فيما كان الشهداء من سائر الألوان، وحين يعبر القاتل عن إعجابه بنموذج ترمب المعروف بعنصريته تجاه المسلمين كدين، ففي ذلك ما يكفي من دلالة، مع أن المجرم لم يخفِ أيديولوجيته الدينية.

من هنا يمكن القول إن ما جرى في نيوزيلندا ينبغي أن يمنح الجاليات المسلمة في الغرب فرصة للهجوم على ذلك الخطاب العنصري وإدانته، وبالتحديد ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، في الوقت ذاته الذي ينبغي أن يكون محطة في اتجاه تحشيد الجهود للتعبير عن الذات والهوية، من دون التناقض مع الآخرين، بل من أجل التعايش الإيجابي على قاعدة المواطنة التي لا تتناقض مع الهوية الخاصة التي نراها عند الآخرين في دول الغرب، وليس عند المسلمين وحدهم.

تحتاج الجاليات المسلمة في الغرب، وعبر رموزها وفعالياتها إلى وقفة جادة من أجل جعل دماء الشهداء في نيوزيلندا محطة في اتجاه رؤية أفضل وأكثر وضوحاً للدور والحضور، بعيداً عن ردود الفعل الرعناء التي تُحسب على المسلمين. ولا شك أن تفعيل البُعد الرسالي في حياة المسلمين في الغرب هو العنوان الأبرز لهذا التحول.

يبقى أن أية إدانة لما جرى تتجاهل النموذج الأبرز لخطاب العنصرية والكراهية (ترمب أعني)، هي إدانة ناقصة، وهو ما يذكّرنا بأنظمتنا العربية التي صمتت على عنصريته، فضلاً عن مواقفه من قضايانا الكبرى، وفي مقدمتها قضية فلسطين.

عدد المشاهدات: 174
تاريخ الخبر: 20-03-2019

مواضيع ذات صلة